الأحد , أكتوبر 25 2020

تصريحات الرئيس الامريكي حول تجربة الحكم في العراق

أبدى الرئيس الأمريكي باراك أوباما امتعاضه من تجربة الحكم التي تولاها الشيعة في العراق فقد اعتبرها فاشلة في ادارة الدولة وانهم حصلوا على فرصة نادرة ولكنهم أضاعوها.

جاءت هذه الملاحظات ضمن لقاء صحافي مع الصحافي الشهير توماس فريدمان نشرته الصحف الأمريكية ووكالات الأنباء العالمية.

وبهذهِ العبارة شّن الرئيس الأمريكي موقفاً جديداً في العراق وأخذ يرتب الوضع السياسي باتخاذه لعدة اجراءات داخلية وخارجية، أما الداخلية فالضغط باتجاه تعديل العملية السياسية تحت ذريعة التوازن الطائفي والمصالحة الوطنية، أما الترتيبات الخارجية بتشكيل تحالف سني من الدول العربية للضغط على الوضع العراقي يُسانده في ذلك تشكيل تحالف دولي يتكون من أكثر من أربعين دولة تحت ذريعة محاربة داعش.

أولاً وقبل كل شيء كان لابد للرئيس أوباما أن يدرك بأن الشيعة لم يفشلوا ولم تتح لهم الفرصة لادارة العراق كما ذكر وإنّ الذين فشلوا هم أشخاص من الشيعة أو حزب واحد من أحزاب الشيعة وليس الشيعة كلهم، وهذا التعميم بحدّ ذاته هو ظلم بحق الشيعة.

ولتوضيح هذا الالتباس كان لابد من فتح ملف الشيعة ونجاحاتهم الباهرة في التاريخ القديم والمعاصر.

ربما كانت التجربة الشيعية في الحكم محدودة بسبب الفرص القليلة التي اتاحت لهم اعتلاء دفة الأمور وادارة الدولة، لكن مع قلة هذهِ التجارب إلا أنها غنية بالمنجزات والمكتسبات.

ففي مجال التسامح ضرب الشيعة أفضل الأمثلة في التسامح مع الآخرين بالأخص مع المخالفين لهم.

فالفاطميون عندما بنو الأزهر وضعوا منهاجا متكاملا لهذه الجامعة العريقة وفسحوا المجال أمام جميع الكفاءات العلمية لتأخذ فرصتها في التعليم والتعلم فإلى جانب الكرسي الفاطمي الذي كان يدرس فيه الفقه الاسماعيلي كانت هناك حلقات درسية لجميع المذاهب الاسلامية.

وكان علماء المذاهب الأخرى في مصاف العلماء الفاطميين ينشطون في تدريس مذاهبهم وهم أحرار في الترويج لأفكارهم حتى لو كانت مخالفة لهم.

وفي مجال الانفتاح على الآخرين ومد يد العون للدولة نلاحظ تجربة الخواجة نصير الدين الطوسي مع المغول وكيف استطاع هذا العالم الكبير أن يرشد هذه الجماعة المتخلفة وأن يغير عقائدهم ومناهجهم ويرشدهم إلى طريق الصواب.

 وتجربة عضد الدولة البويهي مع الدولة العباسية غير بعيدة عن الأنظار فهي تجربة رائدة أيضاً في مجال التعاون والتنسيق والانفتاح على الآخرين، وعدم الانكماش إلى الداخل.

والشيعة هم من أوائل من انتهج النهج المؤسساتي في أنشطتهم المختلفة ونبذ الطابع الفردي في العمل. فالتنظيم الاسماعيلي الدقيق القائم على نظام المؤسسات وراء النجاحات الكبيرة لهذه المجموعة في مجال الحكم والادارة. ولازالت هناك مجاميع من الشيعة حققت الكثير من المكاسب على صعيد الاقتصاد العالمي كالخوجة والبهرة.

ومن يقف عند تاريخ الدولة البويهية يجد صورة رائعة عن الحكم الشيعي، فبالاضافة إلى تحلي القادة البويهيين بالتسامح وحسن الخلق والتواضع، تلك الصفات التي عرفوا بها، وعلى رأسهم علي بن بويه الذي أشاد به المؤرخون في شخصيته المتواضعة والمنفتحة وقدراته العسكرية والسياسية والادارية بالإضافة إلى ذلك نجد ان البويهيين كما قال أمير علي في كتابه مختصر تاريخ العرب وقد شجع البويهيون الروح الأدبية وعضدوا مدرسة بغداد التي كان قد اضمحل شأنها في أثناء تدهور الخلافة وحفروا الجداول وهياؤا للملاحة حتى مدينة شيراز فأزالوا بذلك خطر الفيضانات الموسمية التي كانت تغمر المناطق، كما شيد عز الدولة مستشفاً فخماً وفتح عدة جامعات في بغداد.

وقد شهد العراق نهضة أدبية عمرانية وزراعية كبرى في العهد البويهي حيث أنشأت المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية للعجزة والمرضى وكبار السن وفتحت الأنهار وأقيمت القناطر والجسور وازدهرت الزراعة في عهدهم وانتشر الأمن والاستقرار بالأخص في الطرق الخارجية لتطهيرها من اللصوص وقطاع الطرق وتم تأمين طرق القوافل بالاخص طريق الحج البري وعم الخير ليس فقط المسلمين بل حتى اليهود والنصارى فقد أذنوا للمسيحيين ببناء الأديرة ولليهود ببناء معابدهم بالإضافة إلى مد يد العون والمساعدة لكل محتاج حتى لو لم يكن مسلماً.

ومن معالم النهضة في العهد البويهي بناء المشاهد المقدسة في كربلاء والنجف والتي لازالت شامخة حتى يومنا هذا وماكاد ليحدث ذلك لولا السياسة التي انتهجها البويهيون في استوزار ذوي الكفاءة والحرفية للوزارات واستخدام اصحاب التخصصات في ادارة الدولة.

أما الفاطميون في مصر فقد أنعشوا عن الحركة الفكرية باقامة مجالس النقاش والمطارحة الفكرية بين جميع المذاهب الفكرية والفقهية الأمر الذي أدى نبوغ عدد كبير من أهل العلم كابن يونس في الحديث والتاريخ، وأبوبكر الحداد في الفقه، وأبو عمر الكندي في التاريخ، وأبو جعفر النحاس ، وأبو القاسم بن طباطبا في الأدب والشعر. ولن ننسى أن نذكر عالم الرياضيات الفيلسوف أبو علي محمد بن الحسن الهيثم الذي نبغ في العصر الفاطمي مستفيداً من دور العلم والمكتبات التي غصت بأمهات الكتب ومصادر المعرفة.

وبنى الحمدانيون في الموصل وحلب أعظم امارتين ترعرع تحت ظل حكمهم العلم والأدب وبرز علماء كبار أسدوا أكبر الخدمات للثقافة العربية والاسلامية أمثال ابن نباتة الفارقي وابن خالويه وكشاجم والصنوبري وغيرهم وقد وهب الله هذه الدولة زعيماً مقداماً شاعراً أديباً هو سيف الدولة الحمداني الذي كان مثالاً للحاكم والأديب والشاعر والشجاع عرف بتذوقه للأدب وعلاقته الوطيدة بالشعراء والعلماء بالإضافة إلى بسالته وشجاعته فهو الذي رد كيد الغزاة البيزنطينيين عن سوريا. وكانت سياسة الدولة الحمدانية مبنية عن التسامح المذهبي حتى أنهم عينوا قاضياً على حلب حنفي المذهب.

وفي اليمن عندما دخل الإمام يحيى بن الحسين الهادي منطقة صعدة خطب في الذين جاءوا إلى مبايعته فشرط على نفسه  أن يحكم على كتاب الله وسنة نبيه وأن يقدمهم عند العطاء قبله وأن يؤثر أتباعه على نفسه فلايتفضل عليهم وأن يتقدمهم عند لقاء عدوهم وعدوه فبايعته الجموع الغفيرة فكانت بداية تأسيس الدولة الزيدية في صعدة.

هذه هي تجربة الشيعة يا سيادة الرئيس أوباما، كان عليك أن تقرأ تجربة الشيعة قبل أن تصرح بهذا الكلام الذي اتهمت به الشيعة بالاخفاق والفشل فهم بناة الحضارة الاسلامية، هم من وضعوا أسس التسامح العقدي، هم من وضع أساس العمل المؤسساتي في ادارة الحكم ، هم من بنى الجامعات والمستشفيات ودور العلم والمدارس، هم من بنى دور الرعاية الاجتماعية واحتضن الفقراء والمرضى والعجزة. هم من مد يده للاستفادة من أصحاب الكفاءات والتخصصات حتى لو كان على مذهب آخر.

هؤلاء هم الشيعة منارات شامخة تناطح السحب في جميع بقاع العالم الاسلامي من المغرب حتى الصين.

لكن الأمور تغيرت عندما دخلت ديمقراطية المحاصصة في بناء النظام السياسي العراقي الذي استند إلى نعرات جاهلية جاء الاسلام للقضاء عليها. تلك المحاصصة التي دمرت البلد وجاءت بسياسيين غير أكفاء إلى الحكم وأزاحت كل ذي اختصاص وكل ذي كفاءة وكل ذي وطنية فأصبح البلد يدار بأيدي غير كفوءة فكان هذا الخراب والتراجع والفشل هو النتيجة الحتمية التي يقربها الجميع بلا استثناء حتى رجال الحكم اليوم، إلا ان الامريكان الذين كانوا يكيلون المديح بهؤلاء إلى الأمس القريب وفجاة تغيرت المواقف والتصريحات عندما قرروا أن ينزلوا بأنفسهم إلى الساحة ليقودوا البلد بمستشاريهم وقواتهم.

فالفشل لايسجل على الشيعة الذين لادخل لهم بما جرى ويجري في هذا البلد فالذي يتحمل هذا الفشل هو الادارة الأمريكية التي وضعت أسس هذا النظام وأعمدته التي أقامته على المحاصصة الطائفية والسياسية وسمته بالديمقراطية التوافقية وبعد عقد من الزمن اكتشفت أنها ليست لا ديمقراطية ولا توافقية.

شاهد أيضاً

شيعة رايتس ووتش تطالب بيوم عالمي للشيعة

بسم الله الرحمن الرحيم ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ …